في 10 أغسطس، أقرّ رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي مقترحًا لإصدار أداة دين جديدة تُعرف باسم «صكوك الضرائب»، وهي أداة قابلة للشراء من أدوات الدين الحكومي وتشبه السندات، بهدف تخفيف أعباء سداد ديون مصر عن الموازنة العامة والاقتصاد ككل.
ويرى المحلل السياسي والكاتب ماجد مندور أن هذه الأداة الجديدة ستقوّض القاعدة المالية الهشة للدولة، وتنقل العبء بصورة أكبر إلى الفئات الأكثر ضعفًا في مصر، بعيدًا عن الأثرياء والمقربين من النظام، بما يؤدي إلى تفاقم الفساد على حساب المواطنين من الطبقة العاملة.
وبحسب مركز داون، ستصدر الدولة أداة الدين الجديدة بأجل استحقاق يبلغ عامًا واحدًا، مع التخطيط لطرح الإصدار الأول خلال السنة المالية الحالية. وستسدد الدولة للمشترين قيمة السند والفائدة المستحقة عليه، على أن تخصم قيمة الدين من الضرائب المستقبلية لحاملي السندات.
وبعبارة أخرى، تهدف الخطة المعلنة إلى تخفيف الضغوط المتزايدة على المالية العامة عبر تحصيل الضرائب مقدمًا من خلال العائدات التي يدرها إصدار أداة الدين. وقد استحوذت مدفوعات الديون على 76% من إيرادات الدولة خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الماضية، ما أثر بشدة في قدرة الدولة على إدارة شؤون البلاد بفاعلية أو إخراجها من أزمتها الاقتصادية الممتدة.
صكوك الضرائب تزيد الضغط على المالية العامة
يكشف التعمق في منطق هذه السياسة الجديدة عن ديناميات يصفها الكاتب بالفساد. فقيمة السند ستُستخدم لسداد الضرائب المستقبلية إلى جانب الفائدة المستحقة عليه، والتي ستُعفى أيضًا من الضرائب. وبذلك، لا تتخلى الدولة عن إيرادات مستقبلية مرتبطة بالقيمة الاسمية للسند فحسب، بل تتخلى كذلك عن الفوائد المتراكمة عليه. ومع بلوغ سعر الفائدة حاليًا 19%، مقابل تضخم سنوي قدره 13%، يُرجح أن تصل أسعار الفائدة المقدمة إلى المستثمرين إلى 20% على الأقل لجذبهم. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى انخفاض غير متناسب في الإيرادات الضريبية إذا دخل هذا النظام حيز التنفيذ.
وبصيغة أبسط، مقابل كل جنيه مصري تحصل عليه الدولة اليوم عبر صكوك الضرائب، ستخسر ذلك الجنيه، إلى جانب الفائدة التي تدفعها لحامل السند في صورة إعفاءات ضريبية في وقت لاحق، وبعد مرور عام على الأقل، ما يؤدي سريعًا إلى تآكل الإيرادات الضريبية المستقبلية.
وتشكل الإيرادات الضريبية 85% من إيرادات الدولة، ولذلك ستوجه السياسة الجديدة ضربة قاسية إلى المالية العامة، وقد تدفع النظام إلى زيادة المعروض النقدي عبر طباعة المزيد من الأموال للوفاء بالتزاماته تجاه الديون المحلية. لكن هذا النهج سيرفع التضخم، ما سيفرض عبئًا أكبر على الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع المصري.
كيف يستفيد الأثرياء من النظام الجديد؟
ستؤثر الطبيعة التنازلية لأداة الدين الجديدة بصورة أكبر في الفقراء والطبقة الوسطى، إذ يصعب على العاملين المصريين الوصول إليها. فلا تستطيع هذه الفئات تحمل تكلفة شراء هذه السندات في ظل ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه المصري، ما يترك لها دخلًا محدودًا يمكن إنفاقه على شراء السندات، وبالتالي دفع ضرائبها مقدمًا مقابل تحقيق عائد في المستقبل.
ويرجح أن يقبل الأثرياء، إلى جانب الشركات الكبرى والشركات المملوكة للدولة، على شراء هذه السندات. وستتمكن هذه الجهات من خفض أعبائها الضريبية المحدودة أصلًا بدرجة أكبر، ما يضعف النظام الضريبي المصري المتعثر، في حين تقع الآثار السلبية مباشرة على العاملين الذين لا يستطيعون الاستفادة من هذا النظام. وهكذا يخسر العاملون المصريون مرتين: فلا يستطيعون الحصول على الإعفاءات الضريبية الناتجة عن استرداد قيمة مشتريات السندات، كما سيتحملون النصيب الأكبر من التداعيات الاقتصادية السلبية الناجمة عن هذه السياسة.
وتبرز موازنة السنة المالية السابقة هذا الاتجاه بوضوح. فقد بلغت حصيلة الضرائب على الاستهلاك تريليون جنيه مصري، مقابل 332 مليار جنيه لكل من الضرائب على أرباح الشركات والسندات. ومن المتوقع أن تشهد الضرائب على أرباح الشركات والسندات انخفاضًا كبيرًا نتيجة عمليات شطب الضرائب في ظل نظام السندات الجديد، بعدما يسعى الأثرياء إلى خفض أعبائهم الضريبية.
ومع تراجع الإيرادات الضريبية، لن يجد النظام أمامه سوى خيارين: زيادة الضرائب على الاستهلاك أو فرض إجراءات تقشف إضافية. وسيؤدي كلا الخيارين إلى معاناة شديدة في بلد قُدرت فيه نسبة الفقر بنحو 36% عام 2023.
أزمة الديون والاعتماد على التمويل الخارجي
قد يرى البعض أن أداة الدين الجديدة يمكن أن تساعد في تخفيف أزمة الديون من خلال تقليص حاجة مصر إلى الاقتراض لسداد التزاماتها. لكن حجم الالتزامات المتوقعة يناقض هذا الطرح؛ إذ تستحق على مصر ديون خارجية بقيمة 62.8 مليار دولار، أي ما يعادل 3.1 تريليون جنيه، خلال الفترة من مارس 2026 إلى أبريل 2027. وتشمل هذه القيمة 21.1 مليار دولار، أو نحو تريليون جنيه، مستحقة لدول الخليج.
ويرجح أن تسمح دول الخليج بترحيل هذه الديون إلى العام التالي، رغبة منها في تجنب انهيار مالي في مصر بعد استثماراتها التاريخية لدعم الاقتصاد المصري. وحتى مع هذا الترحيل، ستظل الموازنة العامة أمام عبء ثقيل يبلغ 41.1 مليار دولار، أي نحو تريليوني جنيه، وهو ما يستهلك نصف إيرادات القاهرة. ولا تشمل هذه الأرقام مدفوعات الديون المحلية، التي تمثل عبئًا كبيرًا مماثلًا على احتياجات التمويل الخارجي المتوقعة، والتي تصل إلى 9 مليارات دولار، أو 455 مليار جنيه، خلال السنة المالية المقبلة.
وتقول الدولة المصرية إنها تستطيع استخدام السندات الجديدة لتقليص عبء الديون الخانق إذا ظلت الأداة جذابة للمستثمرين وجرى طرحها بصورة منتظمة كل عام. لكن هذا الطرح يتجاهل الفوائد المعفاة من الضرائب التي ستُدفع على السندات، والتي ستواصل استنزاف إيرادات الدولة، ما يؤدي إلى خسارة غير متناسبة في الحصيلة الضريبية. وستكون الآثار طويلة الأجل كارثية، وفقًا لمندور، مع تعميق النخب لعمليات نهب الأموال التي تحتفظ بها الدولة نيابة عن الشعب.
وفي ظل اليأس، يلجأ النظام إلى «حلول» تقوض نفسها لمعالجة مشكلة صنعها بنفسه. وبدلًا من تنفيذ الإصلاحات الضريبية الضرورية وإنهاء الإعفاءات الضريبية الواسعة والضرائب المنخفضة التي تستفيد منها المؤسسة العسكرية والشركات والنخبة المرتبطة بالنظام، تمضي القاهرة في ترسيخ سياسات ستواصل الإضرار بمصر والمصريين.
كما تعني هذه السياسات استمرار الدور المحوري لتدفقات رأس المال الخارجي في دعم النموذج الاقتصادي للقاهرة، إذ سيواجه النظام خطر الانهيار الوشيك من دونها. ويعزز ذلك النظام القائم الذي يمزق البلاد على أساس طبقي، بينما يحد من سيادتها في الخارج.
وفي هذا السياق، حصل النظام على 200 مليار دولار من القروض والمنح والمساعدات من دول الخليج ومؤسسات التنمية والتمويل الدولية بين عامي 2014 و2024، كما حصل على تعهدات إضافية واستثمارات عقارية ومساعدات رسمية بقيمة 87 مليار دولار بين عامي 2024 و2025. وتُعد هذه المبالغ ضخمة بالنسبة إلى بلد يبلغ عدد سكانه نحو 120 مليون نسمة، ويكافح ناتجه المحلي الإجمالي لتجاوز 365 مليار دولار في عام 2025.
ويحافظ هذا النموذج على نظام اقتصادي متعثر، فيما يدعم نظامًا سياسيًا شديد القمع. وفي هذا الإطار، يشير المقال إلى صرف الاتحاد الأوروبي قرضًا بقيمة 1.5 مليار يورو، أو 89 مليار جنيه مصري، في يوليو، رغم توثيق المفوضية الأوروبية إخفاق الدولة المصرية في تنفيذ التحسينات المطلوبة في مجالي الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويرى مندور أن هذه الخطوات، إلى جانب خطوات أخرى اتخذتها دول مثل الولايات المتحدة، تمثل شكلًا من أشكال التواطؤ، لأنها تتيح للسيسي والمقربين منه مواصلة سياسات القمع الجماعي والاحتجاز التعسفي والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، رغم محاولاتهم تبييض صورة هذه الجرائم.
وفي النهاية، يظل المصريون عالقين بين نظام دولي متواطئ ونظام حاكم غير مستعد لتنفيذ إصلاحات حقيقية وضرورية تعود بالنفع على جميع المواطنين. وفي بحثها عن حل سحري، وبدافع من يأس واضح، تتبنى الدولة سياسات تهدد أساس قدرتها المالية على الاستمرار، بينما تثري المقربين من النظام بحثًا عن استقرار قصير الأجل، بما يقود إلى معاناة واسعة النطاق.
https://dawnmena.org/sisis-latest-debt-fix-protects-egypts-elite-and-punishes-the-working-class/

